حسن الأمين
158
مستدركات أعيان الشيعة
على الرغم من شجبه بشدة قرار المؤتمرين العراقيين في دمشق بانتخاب الأمير عبد الله ملكا على العراق ، كان لا يزال يعد عبد الله أميرا منتظرا للعراق . ولذلك تلكأ في قبول مقترحات ويلسن التي ضمنها برقيته . ولكن كرزن أخذ في الشهور التالية يتحول عن موقفه القديم تدريجيا ، ويميل إلى تفضيل فيصل . وكانت العقبة الكاداء دون هذا الاختيار تتمثل في الموقف الذي ينتظر أن تتخذه فرنسا ، لأنها كانت تعد فيصلا عدوا لدودا لها . ولما فاتح كرزن ( في 8 آب 1920 ) الحكومة الفرنسية في موضوع نصب فيصل ملكا على العراق جسا لنبضها كان ردها « أنها تعترض على ذلك كل الاعتراض . . . ان تنصيب الأمير فيصل في العراق بعد إخراجه من سوريا مباشرة ، هو في نظر الفرنسيين عمل غير ودي . . . » . ( 1 ) وما لبثت الحكومة البريطانية أن كررت المحاولة ، ففاتحت فرنسا بشأن فيصل مرة أخرى ، مبدية أنها ترى مجيئة إلى انكلترا أفضل من بقائه في إيطاليا حيث يخشى أن يجري اتصالات مع الأتراك أو الطليان تعود بالضرر على المصالح البريطانية والفرنسية ، ( 2 ) فاعترضت فرنسا على زيارة فيصل إلى انكلترا بحجة أنها ستخلق سوء تفاهم بين البلدين ، ( 3 ) ولكن الحكومة البريطانية قررت أخيرا المضي في دعوة فيصل إلى انكلترا على الرغم من كل اعتراضات الفرنسيين ، فتسلم فيصل الدعوة في 11 تشرين الثاني ، بعد انتظار في إيطاليا دام أكثر من ثلاثة أشهر ، ولما استعد للسفر علم أن الحكومة السويسرية لن تسمح له بالسفر عبر أراضيها ، وكان ذلك نزولا عند طلب من الحكومة الفرنسية التي كانت لا ترغب في مرور فيصل من سويسرا في الوقت الذي كانت فيه عصبة الأمم تعقد اجتماعاتها في جنيف ، وخوفا من ظهوره أمام العصبة ومهاجمته فرنسا على ما قامت به في سوريا ، أو على الأقل إدلائه للصحف بتصريحات تحرج موقفها خلال اجتماعات العصبة . ولذلك لم يبق أمام فيصل إلا أن يسافر إلى انكلترا بطريق أخرى ، أطول بكثير ، مارا بالمانيا وبلجيكا ، لتفادي المرور بالأراضي السويسرية والفرنسية . وأوفدت وزارة الخارجية الألمانية موظفا شابا ، له معرفة بالشؤون الشرقية ، وسبقت له الخدمة في سوريا خلال الحرب ، لمرافقة فيصل وحاشيته خلال مرورهم بالأراضي الألمانية . وهذا الموظف هو الدكتور فريتز غروبا ، الذي كان سيقدر له بعد ذلك بسنوات أن يقدم أوراق اعتماده إلى فيصل الأول « ملك العراق » بصفة أول وزير مفوض لألمانية في بغداد . ( 4 ) ووصل فيصل - ومعه رستم حيدر ومرافقوه الآخرون - إلى انكلترا في 28 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1920 ، وكان في استقباله في « دوفر » كورنواليس ، وحداد باشا ، وفهمي المدرس ، ومنها استقل القطار إلى لندن . وقد قابل فيصل الملك جورج الخامس في زيارة مجاملة ، وقضى في لندن أسبوعا كاملا قابل خلاله عددا من الشخصيات البريطانية . وفي يوم 6 كانون الثاني ( يناير ) دون رستم حيدر في يومياته أن لويد جورج أرسل إلى فيصل من يستفهم منه عن رأيه في موضوع العراق ، وقد ظهر أن الإنكليز يريدون فيصلا للعراق ، ثم اجتمع فيصل بهيوبرت يونغ ، وقد أرسله كرزن لاستجلاء رأيه في الأمر ، فقال فيصل أنه لا يستطيع ترشيح نفسه لعرش العراق بعد أن انتخب له أخوه . أما إذا قرر أهل العراق انتخابه فعندها ينظر في القضية . وعلق رستم قائلا : « . . . وكان المسألة دخلت الآن في طورها الحقيقي » . وكانت المسألة قد دخلت « طورها الحقيقي » فعلا . ففي اليوم التالي ، أي في 7 كانون الثاني 1921 ، حضر كورنواليس إلى فندق « كلاريج » مساء لمقابلة فيصل بدون موعد سابق . وكان فيصل خارج الفندق يشهد تمثيلية في أحد المسارح ، فجلس كورنواليس ينتظر عودته حتى منتصف الليل ، فلما حضر جلس معه وامتد الحديث بينهما حتى الساعة الثالثة صباحا . وقال كورنواليس لفيصل إنه جاء لاستطلاع رأيه في الوضع ، وإن الحكومة ليس لها علم بذلك . ولكن الوثائق البريطانية التي فتحت مؤخرا أظهرت أن الحكومة البريطانية هي التي أوعزت إلى كورنواليس بالذهاب لمقابلة فيصل ، بل أنها زودته بتعليمات « تحريرية » مفصلة صادرة عن اللورد كرزن - وزير الخارجية - حول كيفية مفاتحة فيصل في موضوع عرش العراق ، وجس نبضه بشأنه ، وأكدت عليه فيها بان لا يتحدث إليه بصورة رسمية . بل كصديق شخصي . وفي صباح اليوم التالي قدم كورنواليس إلى وزير الخارجية كرزن تقريرا مفصلا عن مقابلته . وبعد هذا الاجتماع المبدئي مع كورنواليس غادر فيصل لندن في اليوم التالي إلى ضاحية تبعد عنها بخمسين ميلا بدعوة من صديقه القديم اللورد ونترين لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في منزله الريفي . وأغلب الظن أن هذه الدعوة كانت بايعاز من اللورد كرزن أيضا ، لمفاتحة فيصل في الموضوع نفسه . وقد ذهب معه حداد باشا - الذي كان يجيد الإنكليزية - وتخلف رستم حيدر في لندن . ووجد فيصل هناك لورنس ، واورمزبي غور ( وكيل وزارة الهند ، ووالتر غينيس ( اللورد موين فيما بعد ) ، « وبعد ساعات طويلة من البحث وافق فيصل على أن يصبح ملكا على العراق . . . » . أما اللورد كرزن نفسه فإنه لم يستقبل فيصل إلا بعد هذا الاتفاق المبدئي ، والتعرف على موقفه بدرجة لا بأس بها . فقد عاد فيصل إلى لندن يوم الاثنين 10 كانون الثاني ( ديسمبر ) مسرورا ، وحدد كرزن موعدا لمقابلته بعد ذلك بثلاثة أيام . وبعد هذه المقابلة مع كرزن أجرى فيصل محادثات عديدة أخرى ، رسمية وغير رسمية ، مع لورنس ، وستورز ، ووكيل وزارة الخارجية لندسي ، حضرها رستم جميعا ودون انطباعاته عنها في يومياته . مؤتمر القاهرة بينما كان فيصل منهمكا في محادثاته واتصالاته في لندن ، كانت الحكومة البريطانية تدرس بصورة جدية إحداث تعديلات إدارية أساسية في جهازها
--> ( 1 ) برقية وزارة الهند المرقمة 1539 إلى السر برسي كوكس بواسطة نائب الملك في الهند ( سميلا ) بتاريخ 10 أيلول 1920 ، محفوظة في وثاق وزارة الخارجية رقم : . ( 11252 ) . 3715040 . ( 2 ) محضر مقابلة بين اللورد هاردنغ والسفير الفرنسي في لندن بتاريخ 23 أيلول 1920 في : . 348 . . Documents on British Foreign Policy Vol . XIII . ( 3 ) مذكرة من القائم بالأعمال الفرنسي في لندن إلى اللورد كرزن بتاريخ 9 تشرين الأول 1920 : 356 - 355 . Ibid . pp . ( 4 ) سرد غروبا ذكرياته عن هذه السفرة المثيرة وعن رستم حيدر في مذكراته التي نشرت سنة 1967 : . 173 . p , 1967 . Grobba , Frits , Manner und Machi im Orint , Frakfurt